محمد عبد الكريم عتوم
111
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
ووقاه . والعصمة : الحفظ ، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه عن المعصية . ( الفيروز أبادي ، مادة عصم ) أما عند الشيعة الإمامية ، فالعصمة معناها لطف إلهي يضعه بالمعصوم ، فيمتنع عند فعله من القبيح اختياراً ، فلا يقدم على معصية فهي " الامتناع بالاختيار عن فعل الذنوب والقبائح عند اللطف الذي يحصل من الله تعالى في حقه ، وهو لطف يمتنع من يختص به عن فعل المعصية ، ولا يمنعه على وجه القهر ، أي أنه لا يكون له حينئذ داعٍ إلى فعل المعصية وترك الطاعة مع القدرة عليهما " « 1 » . فالإمام معصوم ، مثلما هو النبي كذلك ، إذ أن في نفس الإمام خاصية تمنعه من الوقوع في الخطأ أو اقتراف المعصية . والعصمة صفةٌ ملازمة للإمام . ومثلما أن دورة الإمامة هي استمرار لدورة النبوة ، فقد أوجب الشيعة العصمة للإمام ، باعتبار أن ما يلزم للنبي ( ص ) ، يجب أن يكون لازماً للإمام . ويرتبط مفهوم العصمة عند الشيعة الإمامية ، بالأنوار المحمدية التي حلت بالأئمة ، وتجسدت بالعلم الغيبي اللدني الخاص بالإمام ، المرتبط بالعصمة ارتباطاً وثيقاً ، ويجعل من الإمام المصدر الحقيقي للمعرفة ، فالأئمة محيطون بعلم كل شيء بفعل النور الإلهي الذي حل بهم . ترتبط فكرة العصمة لدى الشيعة بميتافيزيقا مذهبهم ، وفيها إسراف في القداسة ، لكنها تبقى مرتبطةً بالواقع السياسي عندهم ، حيث قصد الشيعة إثبات أن الإمامة يجب أن تكون بالنص والتعيين ، من معصوم يؤمن عدم وقوعه في الخطأ ، فيكون تعيين الإمام من قبل النبي المعصوم . كل ذلك لإثبات أن الإمامة ليست من المصالح الدنيوية التي تفوض إلى الأمة ، بل هي ركن الدين وأُسّ الإسلام . كما قصد الشيعة أيضاً إبطال إمامة الخلفاء الذين سبقوا علياً ، باعتبارهم لم يكونوا يتصفون بالعصمة والكمال . وعلى الصعيد العملي فإن الاعتقاد بعصمة الإمام ، وضرورة كونه منصوباً من الشارع " الله " ، قد أدى إلى تهميش الوظائف التنظيمية والإدارية التي تقوم بها السلطة في حين تضخمت على حسابها الجوانب الدعوية والرسالية .
--> ( 1 ) - عبد الجبار ، 1962 ، المغني ، ج 13 ، 15 .